أبو الليث السمرقندي
34
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً معناه : اعبدوا ربكم الذي خلقكم وجعل لكم الأرض فراشا ، يعني مهادا وقرارا . وقال أهل اللغة : الأرض بساط العالم . وروي عن علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - قال : إنما سميت الأرض أرضا ، لأنها تأرض ما في بطنها أي تأكل ما فيها . وقال بعضهم : لأنها تتأرض بالحوافر والأقدام . وَالسَّماءَ في اللغة : ما علاك وأظلك . يعني اذكروا رب هذه النعم واعبدوه ، واعرفوا شكر هذه النعم حيث جعل لكم الأرض فراشا ، والسّماء بِناءً أي سقفا . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - في رواية الكلبي : كل سماء مطبقة على الأخرى مثل القبة وسماء الدنيا ملتزقة على الأرض أطرافها ويقال : وَالسَّماءَ بِناءً أي مرتفعا . وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، يعني المطر فَأَخْرَجَ بِهِ ، يعني أنبت بالمطر مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ ، يعني من ألوان الثمرات طعاما لكم . قوله : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً ، أي لا تقولوا له شركاء وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه خالق هذه الأشياء وغيره لا يستطيع أن يخلق شيئا من هذه الأشياء . ويقال : كل شيء في هذه الدنيا فيه دلالة على كونه الخالق من أربعة أوجه : فوجود هذه الأشياء وكونها يدل على وجود الصانع واستقامتها تدل على توحيده ، وهو استقامة الليل والنهار ، والشتاء والصيف وخروج الثمرات وحدوث كل شيء في وقته ، لأن المدبر لو كان اثنين لم يكن على الاستقامة ، كما قال في آية أخرى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] وتجانسها يدل على أن الخالق واحد عالم حيث خلق الأشياء أجناسا مختلفة ، وتمام الأشياء يدل على أن خالقها واحد قائم قادر . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 23 ] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ قال بعضهم : هذا الخطاب لليهود وإن كنتم في ريب : أي في شك مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا محمد صلى اللّه عليه وسلم من القرآن أنه ليس من اللّه تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ، أي من مثل هذا القرآن من التوراة ، وقابلوها بالقرآن ، فتجدوها موافقة لما في التوراة ، فتعلموا به أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يختلقه من تلقاء نفسه وأنه من اللّه تعالى : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، أي استعينوا بأحباركم ورهبانكم ، يعني عبّادكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تشكون فيه . وقال بعضهم : نزلت في شأن المشركين وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ أي في شك مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا محمد صلى اللّه عليه وسلم من القرآن وتقولون : إنه اختلقه من تلقاء نفسه فَأْتُوا بِسُورَةٍ أي فاختلقوا سورة من مثل هذا القرآن ، لأنكم شعراء وفصحاء وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ ، أي استعينوا بآلهتكم ، ويقال : استعينوا بخطبائكم وشعرائكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أن محمدا يقوله من تلقاء نفسه .